مجموعة مؤلفين

126

إرشاد ذوي العقول إلى براءة الصوفية من الاتحاد والحلول

--> - في الوجود ، وليس كذلك فالمشيئة حكم لذات الحق أزلا وهي تطلب تأخر وجود العالم عن وجود الحق ، فيصح حدوث العالم وليس ذلك إلا بنسبة المشيئة وسبق العلم بوجوده ، فكان وجود العالم مرجّحا على عدمه ، والوجود والمرجح ساوق الوجود الذاتي الذي لا يتّصف بالترجيح في مرتبة العلم ، فافهم . وإنما قال رضى اللّه عنه : شاء ، ولم يقل : أراد إشارة إلى أن التوجّه كان من مرتبة الذات من الفيض الأقدس ، فإن المشيئة توجّه الذات نحو حقيقة الشيء كان ما كان ، والإرادة تعلق بتخصيص تخصيص أحد الجائزين من طرفي الممكن أعني : وجوده في مقام الألوهيّة ، فالمشيئة عين الذات وعرشها ، وقد يكون متعلقها الإرادة إذا شاء أراد ، والإرادة من الصفات الموجبة للاسم المريد المقتضي للوجود وهي عرش الألوهيّة ، فالمشيئة أقدم وأعم من الإرادة ، فقد تتعلق المشيئة بالإرادة التي تقتضي الوجود فتتعلق بالإيجاد ، وقد تعلّق بالمعدوم لبقائه على أصله ، فمتعلق المشيئة العدم والوجود بخلاف الإرادة ، فإن متعلّقها الوجود . قال اللّه تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكانَ اللَّهُ عَلى ذلِكَ قَدِيراً [ النساء : 133 ] . وقال تعالى في الإرادة : إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [ يس : 82 ] ، فلمّا كان المقام مقام الأقدم لا القديم ، وتعلّق التوجّه بالأمر المعدوم ، فقال رضى اللّه عنه : لما شاء ، فافهم . وهنا مسألة في المشيئة في « غرائب الفتوحات » فأذكرها : فإنه رضى اللّه عنه ما كتب شيئا ولا ذكره إلا للاستمتاع والانتفاع . فاعلم أن العدم يحكم على صور الممكنات بالذهاب والرجوع إليه رجوعا ذاتيا ، فالممكنات بين إعدام من العدم وإيجاد من الواجب الموجود ، فحكم العدم يتوجه على ما وجد من الصور ، وحكم الإيجاد من واجب الوجود ، يعطي الوجود . فلمّا قال تعالى : إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ [ إبراهيم : 19 ] من باب الإشارة إلى غوامض الأسرار لأولي الأفهام وهو أنه عين كل منعوت بحكم من وجود ، وعدم ووجوب وإمكان ومحال فما ثمة عين توصف بوصف ، أو تحكم بحكم إلا وهو ذلك العين ، وهذه مسألة تضمنها هذا المقام ولولا ذلك ما ذكرنا .